Online news

Online news

رحيل شاهر الثّقافة

د. علي رفعت مهدي
علي النهري ١٣ آب ٢٠٢٣

أخي الكبير الأستاذ :
محمّد شاهر العريبي “أبو شاهر “
لسنواتٍ تتجاوز الأربعين وتزيدُ ؛ تعود بذاكرتي إلى ثمانينيات القرن الماضي؛ نشأتُ في رحابها على صورتِكَ وجميل روحِك؛ حيث كنت أتردّدُ فتىً الى مكتبة المعرفة التي انشأها “خالُكَ” الراحل الأستاذ علي حسن مهدي عميدُ منابرِنا؛ وركنُ ثقافتنا ومعارفنا في تلكم الأيّام النبيلة؛ حيثُ كنتَ تشرِفُ معه على إدارة المكتبة الرائدة بمصادِرها ومراجعها ومخطوطاتها وكتبها؛ والتي كنتُ أراها كما أنت وخالك ركنًا وملاذًا وحصنًا وكهفًا ونبعًا يرِدهُ كلُّ طالبٍ للعلم والفكر والثقافة والأدب والمعرفة ؛ وقد شكّلت المكتبَةُ أيضًا ملتقىً فكريًّا ثقافيًّا حواريًّا يلتقي في رحابه اساطين العلم من أبناء علي النهري والجوار في تلك المرحلة للنقاش والتّباحث والتحاور وكان شِعارُك مع الجميع : ” مَنْ شارَكَ الرجالَ شاركها في عقولِها ” …
وكنتَ عقل الرجال وشريكَ الحوار …
وكرّت سبحة الأعوام ….
الأعوام التي شكّلتَ فيها ركنًا من أركان منتدى الربيع الأدبي الذي أسّسَه استاذنا سليمان محمود جمعة ؛ المنتدى الذي عرفك فيه كلّ حضوره من كلِّ لبنان : إنسان العقل وعقل الفكر وفكر الثقافة وثقافة المعرفة ومعرفة الأدب وأدب المجالس التي كنتَ أيقونتها بهدوئك ورصانتك واتِّزانك وحسن إصغائك للرأي الآخر ولقائك مع الجميع على المساحات المشتركة التي شكّلتْ أسُسَ بنائِك العقلي وفضائك المعرفيّ ورؤيتك للعالم من حولك بما كان يضجّ فيه من أحداثٍ جسامٍ وأمورٍ عِظام …
وكنتَ _ وستبقى _ رفيقي وأنيس ذكريات العمر الذي شهرْتَ فيهِ سيوف الثقافة والمعرفة والعلم محارِبًا كلّ جحافل الظلام والتيه والغيّ والإدّعاء بما وهبكَ اللهُ من جمالات الخُلق وعزّة النفس وإباء الروح وأمثالك من مصاديق متنبِّي الشعر :
وإذا كانتِ النّفوسُ كبارا
تعِبتْ في مرادِها الأجسامُ

وحين تعِبَ الجسدُ المُتفاني في طلبِ المعرفة والثّقافة وجوهرُهُ اللطيفُ الواعي المثقّف الباسمُ ؛ الجسدُ الذي هاجمَه المرض وأنت في قِمّةِ عطائِكَ الإنساني والثقافي والمعرفي ؛ ترجّلتَ بهدوءٍ وصمْتٍ وسكينةٍ لتلتَحِقَ بقافلةِ من سبقَك من المثقّفين المبدعين اصحاب العقول الخلّاقة تارِكًا فراغًا هائِلًا لا يسدُه أحد ولا يُستبدَلُ بأحد … لأنّكَ باقٍ بعلمِكَ في قلبِ الحياة :

ما الفضلُ إلا لأهلِ العلمِ إنّهُمُ
على الهُدَى لِمن استهدى أدّلاءُ
وقيمةُ المرءِ ما قَد كانَ يُحسنُهُ
والجاهِشلونَ لأهلِ العلمِ أعداءُ
ففزْ بعلمٍ ولا تطلُبْ بهِ بدلاً
فالنّاسُ موتى وأهلُ العلمِ أحياءُ
أستاذنا محمّد شاهر العريبي ” أبو شاهر”
يعزُّ عليَّ وأنتَ رفيق الدّرب وعشير العمر ألّا أكونَ في مراسمِ وداعِكَ بكلِّ لحظاتِها ؛ والّا أقفَ على المنبر الذي كنتَ تقولُ لي بشأنهِ ” دُمتَ أميره ” لتأبينِك ورثائِكَ بما تستحقُّ وبما كنتَ تحملُ من شمائل وصفات وقيم خسرنا فيها برحيلِكَ كونًا كاملًا من الرؤى والجمالات ؛ ألم يقلْ عليٌّ (ع):
وتحسَبُ أنّكَ جُرمٌ صغيرٌ
وفيكَ آنطوى العالمُ الأكْبرُ
وتشهدُ كلُّ مجالسِكَ ومجالِسيكَ أنّكَ كنتَ كونًا بهيًّا في ابتسامتِكَ التي لم تكن تفارِقُ ثغرك وفي عقلِكَ الأريب وذكائكَ وحضورِكَ النّجيب …
يعزُّ عليَّ يا ” أبا شاهر ” أنْ يقتَحِمَ المرضُ أجسادَنا قبلَ أنْ نكمِلَ فكرتنا في هذه الحياة … وما فكرتنا سوى السّعي الحثيث لتدوين كلّ هبات العقل على صفحات الحياة ثقافةً وعِلمًا نافِعًا وحضورًا جميلًا ونبيلًا … تاركين للأجيال تراث الحب والخير والجمال والمودة والمحبة زادًا في هذا الزّمن الضّيق الخؤون … زمنِ الصّغائر والأحقاد والزّيف والتصنّع والرّياء والحقد والضغينة …للأسف …
” أبا شاهر ” …
إمضِ بسلامٍ …. وارقد بسلام … محِبًّا للسلام ونبعًا من الوئام … وعالَمًا من الأدب الرفيع والخلق النبيل الذي لا يمكنُ للموتِ أن يطويه أو يغيّبهُ أو يورّيه تحت التراب ؛ فأمثالك “يتعملقون” ويسمون بأرواحهم وإنْ ضمَّ الترابُ التّراب …
سلامٌ عليك أيها الحبيب … سلامُ المؤبِّن الموعود بقرب الملتقى واللقاء بكم في عوالم السلام حيث لا حقد ولا غلّ ولا ضغينة ولا لؤم او خبث او نكران للجميل …
سلامٌ عليكَ !!!!
من كل عائلتِك الكبيرة منتديات الثقافة ؛ وعائلتكَ الصغيرة في الأنساب والأحباب والقربى …
سلامٌ عليك ايها الرفيق والصديق والحبيب والغالي والعزيز والصّبور ….
” ابا شاهر “
ما هي إلّا لحيظات …
وكُلّنا في الأثر …

رحيل شاهر الثّقافة

د. علي رفعت مهدي
علي النهري ١٣ آب ٢٠٢٣

أخي الكبير الأستاذ :
محمّد شاهر العريبي “أبو شاهر “
لسنواتٍ تتجاوز الأربعين وتزيدُ ؛ تعود بذاكرتي إلى ثمانينيات القرن الماضي؛ نشأتُ في رحابها على صورتِكَ وجميل روحِك؛ حيث كنت أتردّدُ فتىً الى مكتبة المعرفة التي انشأها “خالُكَ” الراحل الأستاذ علي حسن مهدي عميدُ منابرِنا؛ وركنُ ثقافتنا ومعارفنا في تلكم الأيّام النبيلة؛ حيثُ كنتَ تشرِفُ معه على إدارة المكتبة الرائدة بمصادِرها ومراجعها ومخطوطاتها وكتبها؛ والتي كنتُ أراها كما أنت وخالك ركنًا وملاذًا وحصنًا وكهفًا ونبعًا يرِدهُ كلُّ طالبٍ للعلم والفكر والثقافة والأدب والمعرفة ؛ وقد شكّلت المكتبَةُ أيضًا ملتقىً فكريًّا ثقافيًّا حواريًّا يلتقي في رحابه اساطين العلم من أبناء علي النهري والجوار في تلك المرحلة للنقاش والتّباحث والتحاور وكان شِعارُك مع الجميع : ” مَنْ شارَكَ الرجالَ شاركها في عقولِها ” …
وكنتَ عقل الرجال وشريكَ الحوار …
وكرّت سبحة الأعوام ….
الأعوام التي شكّلتَ فيها ركنًا من أركان منتدى الربيع الأدبي الذي أسّسَه استاذنا سليمان محمود جمعة ؛ المنتدى الذي عرفك فيه كلّ حضوره من كلِّ لبنان : إنسان العقل وعقل الفكر وفكر الثقافة وثقافة المعرفة ومعرفة الأدب وأدب المجالس التي كنتَ أيقونتها بهدوئك ورصانتك واتِّزانك وحسن إصغائك للرأي الآخر ولقائك مع الجميع على المساحات المشتركة التي شكّلتْ أسُسَ بنائِك العقلي وفضائك المعرفيّ ورؤيتك للعالم من حولك بما كان يضجّ فيه من أحداثٍ جسامٍ وأمورٍ عِظام …
وكنتَ _ وستبقى _ رفيقي وأنيس ذكريات العمر الذي شهرْتَ فيهِ سيوف الثقافة والمعرفة والعلم محارِبًا كلّ جحافل الظلام والتيه والغيّ والإدّعاء بما وهبكَ اللهُ من جمالات الخُلق وعزّة النفس وإباء الروح وأمثالك من مصاديق متنبِّي الشعر :
وإذا كانتِ النّفوسُ كبارا
تعِبتْ في مرادِها الأجسامُ

وحين تعِبَ الجسدُ المُتفاني في طلبِ المعرفة والثّقافة وجوهرُهُ اللطيفُ الواعي المثقّف الباسمُ ؛ الجسدُ الذي هاجمَه المرض وأنت في قِمّةِ عطائِكَ الإنساني والثقافي والمعرفي ؛ ترجّلتَ بهدوءٍ وصمْتٍ وسكينةٍ لتلتَحِقَ بقافلةِ من سبقَك من المثقّفين المبدعين اصحاب العقول الخلّاقة تارِكًا فراغًا هائِلًا لا يسدُه أحد ولا يُستبدَلُ بأحد … لأنّكَ باقٍ بعلمِكَ في قلبِ الحياة :

ما الفضلُ إلا لأهلِ العلمِ إنّهُمُ
على الهُدَى لِمن استهدى أدّلاءُ
وقيمةُ المرءِ ما قَد كانَ يُحسنُهُ
والجاهِشلونَ لأهلِ العلمِ أعداءُ
ففزْ بعلمٍ ولا تطلُبْ بهِ بدلاً
فالنّاسُ موتى وأهلُ العلمِ أحياءُ
أستاذنا محمّد شاهر العريبي ” أبو شاهر”
يعزُّ عليَّ وأنتَ رفيق الدّرب وعشير العمر ألّا أكونَ في مراسمِ وداعِكَ بكلِّ لحظاتِها ؛ والّا أقفَ على المنبر الذي كنتَ تقولُ لي بشأنهِ ” دُمتَ أميره ” لتأبينِك ورثائِكَ بما تستحقُّ وبما كنتَ تحملُ من شمائل وصفات وقيم خسرنا فيها برحيلِكَ كونًا كاملًا من الرؤى والجمالات ؛ ألم يقلْ عليٌّ (ع):
وتحسَبُ أنّكَ جُرمٌ صغيرٌ
وفيكَ آنطوى العالمُ الأكْبرُ
وتشهدُ كلُّ مجالسِكَ ومجالِسيكَ أنّكَ كنتَ كونًا بهيًّا في ابتسامتِكَ التي لم تكن تفارِقُ ثغرك وفي عقلِكَ الأريب وذكائكَ وحضورِكَ النّجيب …
يعزُّ عليَّ يا ” أبا شاهر ” أنْ يقتَحِمَ المرضُ أجسادَنا قبلَ أنْ نكمِلَ فكرتنا في هذه الحياة … وما فكرتنا سوى السّعي الحثيث لتدوين كلّ هبات العقل على صفحات الحياة ثقافةً وعِلمًا نافِعًا وحضورًا جميلًا ونبيلًا … تاركين للأجيال تراث الحب والخير والجمال والمودة والمحبة زادًا في هذا الزّمن الضّيق الخؤون … زمنِ الصّغائر والأحقاد والزّيف والتصنّع والرّياء والحقد والضغينة …للأسف …
” أبا شاهر ” …
إمضِ بسلامٍ …. وارقد بسلام … محِبًّا للسلام ونبعًا من الوئام … وعالَمًا من الأدب الرفيع والخلق النبيل الذي لا يمكنُ للموتِ أن يطويه أو يغيّبهُ أو يورّيه تحت التراب ؛ فأمثالك “يتعملقون” ويسمون بأرواحهم وإنْ ضمَّ الترابُ التّراب …
سلامٌ عليك أيها الحبيب … سلامُ المؤبِّن الموعود بقرب الملتقى واللقاء بكم في عوالم السلام حيث لا حقد ولا غلّ ولا ضغينة ولا لؤم او خبث او نكران للجميل …
سلامٌ عليكَ !!!!
من كل عائلتِك الكبيرة منتديات الثقافة ؛ وعائلتكَ الصغيرة في الأنساب والأحباب والقربى …
سلامٌ عليك ايها الرفيق والصديق والحبيب والغالي والعزيز والصّبور ….
” ابا شاهر “
ما هي إلّا لحيظات …
وكُلّنا في الأثر …

قياسي

أضف تعليق